
إن الاقتصاديات المتأزمة في العالم في غالبها تبحث سريعاً عن حلول علمية وخطط واستراتيجيات طويلة المدى، حتى تتعافى سريعاً من أزمتها، وجميع الدول نراها تلجأ لنفس المصباح السحري الذي يكون دائماً نقطة البداية لعمليات الانقاذ، هذا المصباح السحري هو الاصلاح المؤسسي.
الدليل على ذلك يمكن أن نلمسه في العديد من التجارب الفردية حيث وقعت العديد من الدول في ظل أزمات أنهكت اقتصادها، فهذه روسيا فقد عانت الكثير بعد أن سحبت أمريكا بساط السيطرة والقوة من تحت أقدامها إلا أنها في السنوات الأخيرة أظهرت نجاحاً كبيراً في شتى المجالات بعد عقود من الفساد والفوضى والانهيار؟!!
وهذه الصين هي الأخرى التي لم تحقق فقط نجاحاً مبهراً، بل بالإضافة إليه غزت العالم بإنتاجاتها المتنوعة في شتى المجالات رغم المشاكل العديدة التي تواجه هذه الدولة.
وهناك أمثلة كثيرة على مثل هذه التجارب في العديد من الدول منها سنغافورة، وماليزيا، وتركيا، والبرازيل، وهنا نتساءل ما هو التفسير لهذه الظاهرة (أي ظاهرة نجاح الإصلاح المؤسسي في بعض الدول دون غيرها)؟ وما هو سر نجاح تجارب هذه الدول؟

أي أنه من الضروري دراسة المؤسسات السياسية القائمة للتعرف على ثلاثة أشياء :-
1- من هم اللاعبون على الساحة السياسية وما مدى القوة والنفوذ الذي يحوزه كل منهم؟
2- ما هي تفضيلاتهم وأهدافهم المعلنة والخفية؟
3- ما هي قدرتهم على المساهمة في العملية الإصلاحية أو إعاقتها؟
ربما ومن خلال إجاباتنا عن هذه التساؤلات يمكننا الوقوف على السر وراء هذه التجارب ونجاحها بينما على النقيض منها سقوط وفشل التجارب المماثلة في الدول الأخرى.
إن المتصورين أن النجاح والتقدم والرقي لا بد أن يأخذ العديد من القرون كما هو الحال بالنسبة لحضارات أوربا الغربية، فيمكن لنا إثبات خطأ نظرتهم والدليل على صحة هذا القول هو أننا ومن خلال نظرة مستمدة من الواقع الحي المعاصر نجد العديد من التجارب الحية التي تثبت ذلك.
فالنهضة اليابانية لم تبدأ مع النهضة الأوروبية الغربية، بل بدأت منذ قرن واحد فقط، وغير ذلك والأهم هي تجربة سنغافورة كواحدة من النمور الآسيوية، حيث أنها بدأت تجربتها عام 1965م، وكذلك كوريا الجنوبية هي الأخرى والتي ترجع تجربتها إلى عام 1980، حيث كان مجموع دخلها القومي حينها مساوياً لنظيره المصري، أما اليوم فمتوسط دخل الفرد الواحد في كوريا الجنوبية يعادل أكثر من سبعة أضعاف متوسط دخل الفرد الواحد في مصر.
إن دراسة مثل هذه التجارب توضح لنا أمرين :-
1- أن التقدم والتطور المنشودين لا يستلزمان مرور قرون من الزمان.
2- أن التقدم المذهل الذي حققته عدة بلدان آسيوية ليس وقفاً على شعوبها كدول ذات أكثرية صينية غير مسلمة تختلف في العديد من المفاهيم والعادات والتقاليد عن البلدان المسلمة.
فنجد ماليزيا وما أحرزته منذ سنوات قليلة من تقدم كبير يؤكد على أن هذا التقدم ليس مرهوناً بجنس أو عرق أو ثقافة بعينها.
إذا يمكن استنتاج أن السمات الشخصية لقادة الإصلاح وقدراتهم القيادية ورؤيتهم
الشاملة لأحوال المجتمع وإيمانهم بأهمية الإصلاح دوراً جوهرياً في المبادرة نحو
الإصلاح وفي إنجازه.